فصل: مَسْأَلَة: (6) يجوز ابْتِدَاء الْأَحْكَام بِالْقِيَاسِ وَإِن لم يكن عَلَيْهَا نقل فِي الْجُمْلَة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التبصرة في أصول الفقه



.مَسْأَلَة: (5) يجوز إِثْبَات الْحُدُود وَالْكَفَّارَات والمقدرات بِالْقِيَاسِ:

وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا يجوز.
لنا مَا رُوِيَ عَن معَاذ أَنه قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين بَعثه إِلَى الْيمن أجتهد رَأْيِي فصوبه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك وَلم يفرق بَين هَذِه الْأَحْكَام وَبَين غَيرهَا.
وَلِأَنَّهُ حكم لَيْسَ فِيهِ دَلِيل قَاطع فَجَاز إثْبَاته بِالْقِيَاسِ أَصله سَائِر الْأَحْكَام؛ وَلِأَن كل دَلِيل ثَبت فِيهِ غير هَذِه الْأَحْكَام ثَبت فِيهِ هَذِه الْأَحْكَام كَخَبَر الْوَاحِد.
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْقيَاس فِي معنى خبر الْوَاحِد أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقْتَضِي الحكم من طَرِيق الظَّن وَيجوز السَّهْو وَالْخَطَأ فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِذا جَازَ إِثْبَات هَذِه الْأَحْكَام بِخَبَر الْوَاحِد جَازَ إِثْبَاتهَا بِالْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّهُم أوجبوا الْكَفَّارَة على الْأكل فِي رَمَضَان قِيَاسا على المجامع.
وأوجبوا الْحَد فِي الْمُحَاربَة قِيَاسا على الردء فِي اسْتِحْقَاق الْغَنِيمَة فَدلَّ على جَوَاز ذَلِك.
فَإِن قيل: الْكَفَّارَة فِي رَمَضَان وَاجِبَة بِالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ الْحَد فِي الْمُحَاربَة وَإِنَّمَا أثبتنا موضعهَا بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ جَائِز وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يجوز إِيجَاب ذَلِك فِي غير الْبَاب الَّذِي ثَبت فِيهِ كإيجاب الْقطع على المختلس وَالْحَد على اللائط.
قيل هُوَ وَإِن كَانَ إِيجَابا فِي الْبَاب الَّذِي وَجب فِيهِ إِلَّا أَن الْمَانِع عِنْدهم من إِيجَاب ذَلِك بِالْقِيَاسِ هُوَ أَن مِقْدَار المأثم وَمَا يفْتَقر إِلَى الْحَد فِي الردع لَا يدْرك بِالْقِيَاسِ وَلَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَهَذَا مَوْجُود فِيمَا ألزمناهم فَيجب أَن لَا يُقَاس فِيهِ.
فَإِن قيل: نَحن لم نوجب ذَلِك بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا أوجبناه بالتنبيه وَالِاسْتِدْلَال بِالْأولَى فَإِن مأثم الْأكل أَكثر من مأثم الْجِمَاع فَإِذا وَجَبت الْكَفَّارَة فِي الْجِمَاع فَفِي الْأكل أولى.
قيل الِاسْتِدْلَال بِالْأولَى لَا يُوجد فِي إِيجَاب الْحَد على الردء لِأَن الردء لَيْسَ بِأَكْثَرَ إِثْمًا من الْمُبَاشرَة وَقد أوجبتموه.
وعَلى أَن مثل هَذَا مَوْجُود فِي اللواط فَإِن إثمه أعظم من مأثم الزِّنَا لِأَنَّهُ لَا يستباح بِحَال وَقد منعتم من إِيجَاب الْحَد فِيهِ بِالْقِيَاسِ على الزِّنَا.
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْحَد شرع للزجر والردع عَن الْمعاصِي وَالْكَفَّارَة وضعت لتكفير المأثم وَمَا يَقع بِهِ الردع والزجر من الْمعاصِي وَيتَعَلَّق بِهِ التَّكْفِير عَن المأثم لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى فَكَذَلِك اخْتِصَاص الحكم بِقدر دون قدر لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَلَا يجوز إِثْبَات شَيْء من ذَلِك بِالْقِيَاسِ.
الْجَواب هُوَ أَن هَذَا لَو كَانَ طَرِيقا فِي نفي الْقيَاس فِي هَذِه الْأَحْكَام لوَجَبَ أَن يَجْعَل مثل ذَلِك طَرِيقا فِي نفي الْقيَاس فِي سَائِر الْأَحْكَام كَمَا فعله نفاة الْقيَاس فَقَالُوا إِن الْأَحْكَام شرعت لمصْلحَة الْمُكَلّفين والمصلحة لَا يعلمهَا إِلَّا الله تَعَالَى فَيجب أَن لَا يعْمل فِيهَا بِالْقِيَاسِ وَلما بَطل هَذَا فِي نفي الْقيَاس فِي سَائِر الْأَحْكَام بَطل فِي نفي الْقيَاس فِي هَذِه الْأَحْكَام.
على أَنا إِنَّمَا نقيس إِذا علمنَا معنى الأَصْل بِدَلِيل وَإِذا ثَبت ذَلِك بِالدَّلِيلِ صَار بِمَنْزِلَة التَّوْقِيف.
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْقيَاس مَوضِع شُبْهَة لِأَنَّهُ إِلْحَاق فرع بأشبه الْأَصْلَيْنِ فَيكون الأَصْل الآخر شُبْهَة فَلَا يجوز إِيجَاب الْحَد مَعَ الشُّبُهَات.
وَالْجَوَاب: هُوَ أَن هَذَا يبطل بِخَبَر الْوَاحِد وَشَهَادَة الشُّهُود فَإِنَّهَا لموْضِع شُبْهَة لِأَنَّهُ يجوز الْخَطَأ والسهو فِيهَا ثمَّ يجوز إِثْبَات الْحُدُود بهما.
وعَلى أَنا إِنَّمَا نوجب إِذا ترجح أحد الْأَصْلَيْنِ فَيبْطل الأَصْل الآخر وَيصير وجوده كَعَدَمِهِ، ثمَّ هَذَا يبطل بِإِيجَاب ذَلِك فِي الْبَاب الَّذِي وضع فِيهِ فَإِنَّهُم جوزوه بِالْقِيَاسِ وَإِن كَانَ مَوضِع شُبْهَة.

.مَسْأَلَة: (6) يجوز ابْتِدَاء الْأَحْكَام بِالْقِيَاسِ وَإِن لم يكن عَلَيْهَا نقل فِي الْجُمْلَة:

وَقَالَ أَبُو هَاشم لَا يجوز أَن يثبت بِالْقِيَاسِ إِلَّا مَا نَص عَلَيْهِ بِالْجُمْلَةِ ثمَّ يثبت تَفْصِيله بِالْقِيَاسِ.
لنا قَول معَاذ بن جبل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجتهد رَأْيِي وَلم يفصل بَين إِثْبَات الْجُمْلَة وَبَين إِثْبَات التَّفْصِيل؛ وَلِأَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم ابتدؤوا الحكم فِي قَوْلهم أَنْت حرَام بِالْقِيَاسِ وَإِن لم يكن مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة وَلِأَن كل حكم جَازَ إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد جَازَ إثْبَاته بِالْقِيَاسِ كَالْحكمِ فِي التَّفْصِيل.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ إِثْبَات الْجمل بِالْقِيَاسِ لجَاز إِثْبَات صَلَاة سادسة بِالْقِيَاسِ فَلَمَّا لم يجز ذَلِك بِالْإِجْمَاع دلّ على أَنه لَا يجوز إِثْبَات الْجمل بِالْقِيَاسِ.
وَالْجَوَاب: أَن الْقيَاس فِيمَا ذَكرُوهُ إِنَّمَا لم يَصح لِأَنَّهُ يُخَالف النَّص وَالْإِجْمَاع وَلَيْسَ إِذا لم يَصح الْقيَاس عِنْد مُخَالفَة النَّص وَالْإِجْمَاع لم يَصح مَعَ عدم مخالفتهما، أَلا ترى أَن الْقيَاس فِي أَحْكَام التَّفْصِيل إِذا خَالف النَّص وَالْإِجْمَاع لم يَصح ثمَّ لَا يدل على أَنه لَا يَصح مَعَ عدم الْمُخَالفَة فَكَذَلِك هَاهُنَا.

.مَسْأَلَة: (7) يجوز إِثْبَات الْأَسَامِي بِالْقِيَاسِ:

فِي قَول كثير من أَصْحَابنَا.
وَمِنْهُم من قَالَ لَا يجوز وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَكثير من الْمُتَكَلِّمين.
لنا أَنا رَأينَا الْعَرَب قد سموا أعيانا بأسامي كالإنسان وَالْفرس وَالْحمار وَغير ذَلِك ثمَّ انقرضوا وانقرضت تِلْكَ الْأَعْيَان واتفقت النَّاس على تَسْمِيَة أَمْثَالهَا بِتِلْكَ الْأَسْمَاء فَدلَّ على أَنهم قاسوا على المسموع.
فَإِن قيل: لَيْسَ هَذَا من جِهَة الْقيَاس وَإِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْوَضع فَإِنَّهُم وضعُوا هَذِه الْأَسْمَاء لهَذِهِ الْأَجْنَاس.
قُلْنَا لم يحفظ عَنْهُم أَنهم قَالُوا إِن هَذِه الْأَسْمَاء لهَذِهِ الْأَجْنَاس وَلَا سَبِيل لأحد إِلَى نقل ذَلِك عَنْهُم فَسقط مَا قَالُوهُ.
وَأَيْضًا هُوَ أَن أهل النَّحْو أَجمعُوا على أَن كل فَاعل مَرْفُوع وكل مفعول بِهِ مَنْصُوب وَلم يسمع ذَلِك من الْعَرَب وَإِنَّمَا عرف ذَلِك بِالْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَال وَذَلِكَ أَنهم لما استمروا فِي كل فَاعل ذَكرُوهُ على الرّفْع وَفِي كل مفعول على النصب علم أَنهم إِنَّمَا رفعوا فِي مَوضِع الرّفْع لكَونه فَاعِلا ونصبوا فِي مَوضِع النصب لكَونه مَفْعُولا فحملوا عَلَيْهِ كل فَاعل وكل مفعول قِيَاسا فَهَكَذَا فعلوا فِي جَمِيع وُجُوه الْإِعْرَاب فَدلَّ على مَا ذَكرْنَاهُ؛ وَلِأَن الطَّرِيق الَّذِي يعلم بِهِ الحكم من جِهَة الْقيَاس هُوَ أَن ينظر القائس فِيمَا تعلق بِهِ الحكم من النُّصُوص ويستدل عَلَيْهِ بالسلب والوجود ثمَّ يجد ذَلِك فِي غَيره فَيحمل عَلَيْهِ وَهَذَا مَوْجُود فِي الِاسْم فَإنَّا إِذا رَأينَا عصير الْعِنَب قبل الشدَّة لَا نُسَمِّيه خمرًا ثمَّ تحدث الشدَّة فيسمى خمرًا ثمَّ تَزُول الشدَّة فَلَا يُسمى خمرًا علمنَا أَن الْمُوجب لهَذِهِ التَّسْمِيَة وجود الشدَّة المطربة وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي النَّبِيذ فَيجب أَن يُسمى خمرًا.
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} وَقيل فِي الْخَبَر أَنه علمه حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة فَدلَّ على أَن الرُّجُوع فِي الْأَسْمَاء إِلَى التَّوْقِيف.
قُلْنَا لَيْسَ فِيهِ أَنه علمه كلهَا بِالنَّصِّ وَيجوز أَن يكون قد علمه الْبَعْض بِالنَّصِّ وَالْبَعْض بالتنبيه وَالْقِيَاس، وعَلى أَن هَذَا خَاص لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام وَيجوز أَن يكون قد علمه ذَلِك كُله نصا وَنحن نعرفه قِيَاسا.
قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَا من شَيْء إِلَّا وَله اسْم فِي اللُّغَة فَلَا يجوز أَن يثبت لَهُ اسْم آخر بِالْقِيَاسِ كَمَا إِذا ثَبت للشَّيْء حكم بِالنَّصِّ لَا يجوز أَن يثبت لَهُ حكم آخر بِالْقِيَاسِ.
قُلْنَا الْأَحْكَام تتنافى فَإِذا ثَبت للشَّيْء حكم لم يجز أَن يثبت لَهُ حكم آخر يُخَالِفهُ والأسماء لَا تتنافى فَيكون للشَّيْء اسْم وَيجْعَل لَهُ اسْم آخر يدلك عَلَيْهِ أَنه يجوز أَن يكون للشَّيْء الْوَاحِد اسمان وَثَلَاثَة وَأكْثر من طَرِيق التَّوْقِيف وَلَا يجوز أَن يكون للشَّيْء الْوَاحِد حكمان متضادان من طَرِيق النَّص فَافْتَرقَا.
قَالُوا الْقيَاس إِنَّمَا يَصح فِي اللُّغَة إِذا ثَبت أَنهم وضعُوا ذَلِك على الْمَعْنى ثمَّ أذنوا فِي الْقيَاس عَلَيْهِ وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته فَيجب أَن لَا يَصح الْقيَاس فِيهَا.
قُلْنَا نَحن إِنَّمَا نقيس فِيمَا وضعُوا على الْمَعْنى وَذَلِكَ يعلم باستقراء كَلَامهم واستمرارهم فِي الشَّيْء على طَريقَة وَاحِدَة فَيعلم بذلك قصدهم كَمَا يعلم قصد صَاحب الشَّرْع.
وَأما الْإِذْن فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ مَعَ الْعلم بِالْمَعْنَى إِذْ لَا فرق بَين أَن يَقُول سميتها خمرًا للشدة المطربة وَبَين أَن يَقُول كل شَدِيد مطرب فَهُوَ خمر.
قَالُوا وَلِأَن الِاسْم لم يوضع على الْقيَاس أَلا ترى أَنهم خالفوا بَين المتشاكلين فِي الِاسْم فسموا الْفرس الْأسود أدهم وَلم يسموا الْحمار الْأسود أدهم ويسمون الْفرس الْأَبْيَض أَشهب وَلم يسموا الْحمار الْأَبْيَض أَشهب فَدلَّ على أَنه لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ.
قُلْنَا لَو كَانَ هَذَا طَرِيقا فِي إبِطَال الْقيَاس فِي الْأَسَامِي فِي اللُّغَة لَكَانَ طَرِيقا فِي إبِطَال الْقيَاس فِي الشرعيات فَيُقَال إِنَّهَا وضعت على غير الْقيَاس أَلا ترى أَنه فرق بَين المتشاكلين وَهُوَ الْمَذْي والمني فَأوجب الْغسْل بِأَحَدِهِمَا دون الآخر فَيجب أَن يبطل الْقيَاس وَلما بَطل هَذَا فِي الشرعيات بَطل مَا قَالُوهُ فِي الْأَسْمَاء واللغات.
قَالُوا لَو جَازَ إِثْبَات الْأَسْمَاء المشتبهة بِالْقِيَاسِ لجَاز إِثْبَات الألقاب وَلما لم يجز ذَلِك لم يجز هَذَا.
قُلْنَا الألقاب لم تُوضَع على الْمَعْنى وَلَا يُمكن قِيَاس غَيرهَا عَلَيْهَا والمشتقة وضعت على الْمَعْنى فَأمكن قِيَاس غَيرهَا عَلَيْهَا فَافْتَرقَا.

.مَسْأَلَة: (8) يجوز إِثْبَات الْقيَاس على مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع:

وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا لَا يجوز إِلَّا على مَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة.
لنا هُوَ أَن الْإِجْمَاع أصل فِي إِثْبَات الْأَحْكَام فَجَاز الْقيَاس على مَا ثَبت بِهِ كالنص؛ وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ الْقيَاس على مَا ثَبت بِخَبَر الْوَاحِد وَهُوَ مظنون فَلِأَن يجوز على مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع وَهُوَ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ أولى.
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأمة لَا تشرع وَإِنَّمَا تجمع عَن دَلِيل فَيجب طلب ذَلِك الدَّلِيل فَإِنَّهُ رُبمَا يكون لفظا يتَنَاوَل الْفَرْع فيغني عَن الْقيَاس وَرُبمَا كَانَ معنى لَا يتَعَدَّى مَوضِع الْإِجْمَاع فَيمْنَع الْقيَاس.
قُلْنَا لَا حَاجَة بِنَا إِلَى النّظر فِي الدَّلِيل لِأَنَّهُ إِن كَانَ الدَّلِيل نطقا بَينا بتناول الْفَرْع لم يمْنَع ذَلِك من الْقيَاس لِأَن أَكثر مَا فِيهِ أَن يكون قد اسْتدلَّ فِي الْمَسْأَلَة بِالْقِيَاسِ مَعَ إِمْكَان الِاسْتِدْلَال بِالنَّصِّ وَذَلِكَ جَائِز وَإِن كَانَ الدَّلِيل معنى لَا يتَعَدَّى مَوضِع الْإِجْمَاع لم يمْنَع أَيْضا الْقيَاس لِأَن الْإِجْمَاع عَن معنى لَا يتَعَدَّى لَا يمْنَع أَن يكون هُنَاكَ معنى آخر يتَعَدَّى إِلَى الْفَرْع فيقاس عَلَيْهِ وَإِذا لم يكن فِي وَاحِد من الْحَالين مَا يمْنَع الْقيَاس لم يجب طلب الدَّلِيل.

.مَسْأَلَة: (9) يجوز الْقيَاس على مَا ورد بِهِ الْخَبَر مُخَالفا للْقِيَاس:

وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أَصْحَاب أبي حنيفَة مَوضِع الِاسْتِحْسَان.
وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا يجوز إِلَّا أَن يرد الْخَبَر مُعَللا أَو مجمعا على تَعْلِيله أَو هُنَاكَ أصل آخر يُوَافقهُ فَيجوز الْقيَاس.
لنا هُوَ مَا ورد بِهِ الْخَبَر أصل يجوز الْعَمَل بِهِ فَجَاز أَن يستنبط مِنْهُ معنى وَيُقَاس الدَّلِيل عَلَيْهِ إِذا لم يكن مُخَالفا للْقِيَاس.
وَلِأَنَّهُ لَا خلاف أَن الْمَخْصُوص من الْعُمُوم يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ وَلَا يمْنَع مِنْهُ الْعُمُوم فَكَذَلِك الْمَخْصُوص من الْأُصُول يجب أَن يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ وَلَا تمنع مِنْهُ الْأُصُول.
وَلِأَن مَا ورد بِهِ الْخَبَر لَو نَص على تَعْلِيله جَازَ الْقيَاس عَلَيْهِ فَإِذا ثَبت تَعْلِيله بِدَلِيل من جِهَة الاستنباط وَجب أَن يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ لِأَن مَا ثَبت بِالدَّلِيلِ بِمَنْزِلَة الْمَنْصُوص عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا فَإِن مَا ورد بِهِ الْخَبَر أصل كَمَا أَن مَا ثَبت بِالْقِيَاسِ أصل وَلَيْسَ رد هَذَا الأَصْل لمُخَالفَته ذَلِك الأَصْل بِأولى من رد ذَلِك الأَصْل لمُخَالفَته هَذَا الأَصْل فَوَجَبَ إِجْرَاء كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْقيَاس عَلَيْهِ على مَا يَقْتَضِيهِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَن مَا ثَبت بِقِيَاس الْأُصُول مَقْطُوع بِهِ وَمَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الْقيَاس مظنون فَلَا يجوز إبِطَال الْمَقْطُوع بِهِ بِأَمْر مظنون.
قُلْنَا هَذَا يبطل الْمَخْصُوص من عُمُوم الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد فَإِنَّهُ يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ وَإِن كَانَ فِيهِ إبِطَال مَقْطُوع بِهِ بِأَمْر مظنون وَيبْطل أَيْضا بالْخبر إِذا ورد مُخَالفا لِلْأُصُولِ وَهُوَ مُعَلل فَإِنَّهُ يثبت من طَرِيق الظَّن ثمَّ يُقَاس غَيره عَلَيْهِ وَيتْرك لَهُ قِيَاس الْأُصُول الَّذِي طَرِيقه الْقطع.

.مَسْأَلَة: (10) إِذا ثَبت الحكم فِي الْفَرْع بِالْقِيَاسِ على أصل جَازَ أَن يَجْعَل هَذَا الْفَرْع أصلا لفرع آخر يُقَاس عَلَيْهِ بعلة أُخْرَى فِي أحد الْوَجْهَيْنِ:

وَهُوَ قَول أبي عبد الله الْبَصْرِيّ من أَصْحَاب أبي حنيفَة رَحمَه الله.
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ: لَا يجوز وَهُوَ قَول أبي الْحسن الْكَرْخِي.
لنا هُوَ أَن الْفَرْع لما ثَبت الحكم بِهِ بِالْقِيَاسِ صَار أصلا بِنَفسِهِ فَجَاز أَن يستنبط مِنْهُ معنى وَيُقَاس عَلَيْهِ غَيره كالأصل الثَّابِت بِالنَّصِّ.
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْعلَّة الَّتِي ثَبت بهَا الحكم فِي الْفَرْع هُوَ الْمَعْنى الَّذِي انتزع من الأَصْل وَقيس عَلَيْهِ الْفَرْع وَهَذَا الْمَعْنى غير مَوْجُود فِي الْفَرْع الثَّانِي فَلَا يجوز إِثْبَات الحكم فِيهِ بِالْقِيَاسِ.
قُلْنَا لَيْسَ إِذا لم يُوجد فِي الْفَرْع الثَّانِي مَا ثَبت بِهِ الحكم فِي الْفَرْع الأول لم يجز قِيَاسه عَلَيْهِ أَلا ترى أَن مَا ثَبت بِهِ الحكم فِي الأَصْل من النَّص غير مَوْجُود فِيمَا يُقَاس عَلَيْهِ وَلَا يمْنَع ذَلِك صِحَة الْقيَاس عَلَيْهِ فَكَذَلِك هَاهُنَا يجوز أَن لَا يُوجد فِي الْفَرْع الثَّانِي معنى الْفَرْع الأول ثمَّ يَصح الْقيَاس عَلَيْهِ.
قَالُوا ولأنكم إِذا عللتم السكر بِأَنَّهُ مطعوم فَيحرم فِيهِ الرِّبَا كالبر ثمَّ عللتم السكر بِأَنَّهُ مَوْزُون وقستم عَلَيْهِ الرصاص خَرجْتُمْ عَن أَن تكون الْعلَّة فِي السكر أَنه مطعوم.
قُلْنَا لَا يخرج عَن أَن يكون الطّعْم عِلّة فِيهِ بل الطّعْم عِلّة فِيهِ وَالْوَزْن عِلّة وَيجوز أَن يثبت الحكم فِي الْعين الْوَاحِدَة بعلتين.

.مَسْأَلَة: (11) الْعلَّة الواقفة صَحِيحَة:

وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة هِيَ بَاطِلَة وَهُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا.
لنا هُوَ أَن الْقيَاس أَمارَة شَرْعِيَّة فَجَاز أَن تكون خَاصَّة وَعَامة.
دَلِيله النَّص؛ وَلِأَن كل عِلّة جَازَ أَن تكون متعدية جَازَ أَن تكون واقفة كَمَا لَو نَص عَلَيْهَا صَاحب الشَّرْع وَلِأَن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة آكِد من الْعِلَل الشَّرْعِيَّة بِدَلِيل أَن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة يعْتَبر فِيهَا الطَّرْد وَالْعَكْس وَلَا تعْتَبر فِي الشَّرْعِيَّة فَإِذا جَازَ أَن تكون الْعَقْلِيَّة واقفة فالشرعية بذلك أولى.
وَاحْتَجُّوا بِأَن الواقفة لَا تفِيد شَيْئا لِأَن حكمهَا ثَابت بِالنَّصِّ وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لم يكن لانتزاعه معنى.
قُلْنَا يبطل بالواقفة إِذا نَص عَلَيْهَا فَإِنَّهَا لَا تفِيد شَيْئا وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهَا تصح.
وعَلى أَنَّهَا وَإِن لم تفد فِي فرع يلْحق بِأَصْل أفادت بَيَان عِلّة الأَصْل وَوجه الْحِكْمَة وَالْمعْنَى الَّذِي تتَعَلَّق بِهِ الْمصلحَة.
وَأَيْضًا رُبمَا حدث فرع يُوجد فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى فَيلْحق بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ إِذا عرف أَن الْعلَّة واقفة على الأَصْل منع من قِيَاس غَيره عَلَيْهِ كَمَا إِذا عرف أَنَّهَا متعدية اسْتُفِيدَ بِهِ قِيَاس غَيره وَهَذِه فَائِدَة صَحِيحَة.

.مَسْأَلَة: (12) يجوز أَن يَجْعَل الِاسْم عِلّة للْحكم:

وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ: لَا يجوز.
وَمِنْهُم من قَالَ يجوز أَن يَجْعَل الِاسْم الْمُشْتَقّ عِلّة وَلَا يجوز أَن يَجْعَل الِاسْم اللقب عِلّة.
لنا هُوَ أَنه إِن مَا جَازَ أَن يعلق الحكم عَلَيْهِ نطقا جَازَ أَن يستنبط ويعلق الحكم عَلَيْهِ كالصفات والمعاني؛ وَلِأَن بالاستنباط يتَوَصَّل إِلَى معرفَة قصد صَاحب الشَّرِيعَة وَإِذا جَازَ أَن ينص صَاحب الشَّرِيعَة على تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ جَازَ أَن يستنبط ذَلِك بِالدَّلِيلِ ويعلق عَلَيْهِ الحكم.
وَاحْتَجُّوا بِأَن الِاسْم لَا يحْتَاج إِلَى الاستنباط فَلَا يجوز أَن يَجْعَل عِلّة الحكم.
وَالْجَوَاب: أَن هَذَا خطأ لِأَن تَعْلِيق الحكم على الِاسْم وجعلة عِلّة للْحكم يفْتَقر إِلَى الاستنباط كَمَا تفْتَقر سَائِر الصِّفَات فَسقط مَا قَالُوهُ.
وَرُبمَا قَالُوا إِن الحكم إِنَّمَا يتَعَلَّق بالمعاني والأسماء لَيست بمعان.
وَالْجَوَاب: أَن هَذِه دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا.
قَالُوا وَلِأَن الْعِلَل لَا تكون إِلَّا حَقِيقَة والأسماء تدْخلهَا الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَلَا يجوز أَن تجْعَل عِلّة.
قُلْنَا هَذَا يبطل بِهِ إِذا نَص عَلَيْهِ صَاحب الشَّرْع فَإِنَّهُ يَجْعَل عِلّة ويعلق الحكم عَلَيْهِ وَإِن دخله الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَسقط مَا قَالُوهُ.